ستة أيام مهمة في حياة زها حديد

September 18, 2017 Alashhar No comments exist

” لم تعد العمارة حكراً على عالم الرجال. إن فكرة أنه من الصعب على المرأة التفكير بشكل ثلاثي الأبعاد تعتبر سخيفة!!”

من كلمة زها حديد في حفل فيف كليكوت Veuve Cliequeote لجائزة أفضل سيدة أعمال.

 الكاتبة سارة بن الأشهر

لقد جسدت المعمارية زها حديد الموصلية المولد قولها هذا في تصميمها لأكثر من 950 مشروعا في أكثر من 44 دولة. لقد دخلت عالم الهندسة المعمارية من أوسع أبوابه وامتدت شهرتها للعالم كله. لكن هذا الاسم اللامع لم يكن طريقه ممهداً وسهلاً كما يعتقد البعض، بل كان صعبا ومليئا بالعراقيل. قدمت زها الكثير من الجهد والتضحيات لتصل إلى ما وصلت إليه. المعمارية زها حديد فازت بعدد من الجوائز المرموقة التي لم يحلم بالحصول عليها رؤساء الدول، وكان أخر ما تحصلت عليه في حياتها الميدالية الملكية الذهبية Royal Gold Medal لعام 2016 من المنظمة الملكية للمعماريين البريطانيين (Royal Institute of British Architects (RIBA وهي بذلك تعتبر أول إمرأة تتحصل على هذا الشرف الكبير.

Courtesy of The Hyatt Foundation.

هل تساءلتم يوما مالذي صنع الأسطورة زها حديد؟ هل هي إنسان عادي مثلنا؟ بالطبع كانت كذلك! و لكنها كانت إستثنائية.

في إحدى محاوراتها التلفزيونية، فسرت لنا سر نجاحها بقولها: “إنه العمل الجاد المتواصل…”  لقد مرت زها بأوقات حرجة، فشلت فيها و نجحت، خسرت وفازت. والسؤال المهم هنا: ماهي أهم أيام في حياتها؟

Courtesy of The Irving Penn Foundation.

“لقد كانت طفولتي رائعة…” هذا ما وصفته زها عن حياتها في العراق خلال خمسينيات القرن الماضي حينما كان العراق في أوجه. معماريون عظماء في تلك الفترة زاروا العراق من أجل مشاريع تصميمية مثل فرانك لويد رايت Wright و لي كوربيزيه Le Corbusier ، ومنهم من صمم بالفعل كالمهندس غربيوس Gropius. العراق كانت في تلك الحقبة الزمنية بلدا متفوقا وزاهيا كاسمها “زها” والتي ترعرت على يدي أبوين لبراليين، فقد درس والدها في المملكة المتحدة وترأس بعدها الحزب الوطني الديمقراطي في العراق.

لقد كانت زها طفلة فضولية للغاية وكان والدها صبورين للكم الهائل من أسئلتها التي لا تنتهي. منحاها والداها حرية الاختيار واتخاذ قراراتها بنفسها حتى في اختيارها لملابسها. هذه البيئة الديمقراطية هي التي صنعت من زها الوائقة من نفسها لدرجة أنها أعلنت في سن الحادية عشرة من عمرها رغبتها بدراسة الهندسة المعمارية.

Zaha Hadid's Parents

والدا زها حديد.

اليوم الأول# القرار المصيري

كانت رغبتها الشديدة في أن تصبح مهندسة معمارية تزداد خلال فترة المراهقة، وترسخت حينما منحتها والدتها الفرصة في إعادة التصميم الداخلي لحجرة الضيوف ولحجرة نومها. هذه الرغبة كان محل جدال وخلاف بين أفراد أسرتها. ففي إحدى الجلسات العائلية سخر منها أحد أخويها بقوله: “نحن لدينا فكرة أفضل لمستقبلك يا زها… مارأيك في أن تكوني أول رائدة فضاء عراقية!!”  مع هذا الإصرار، درست زها علم الرياضيات في الجامعة الأمريكية في بيروت، ولكن بمجرد تخرجها سافرت إلى لندن والتحقت بالجمعية المعمارية Association of Architecture – AA  سنة 1972.

Zaha, the Child!

الطفلة زها حديد

 اليوم الثاني# التخرج 

في أول ثلاث سنوات من دراستها لدى الجمعية المعمارية AA، لم تجد زها نفسها في مجال الهندسة المعمارية حيث كانت ضائعة و ضجرة مما جعلها طالبة عادية في تلك السنوات. أما في السنة الرابعة، قررت زها أن تحقق تغييرا في الحركات المعمارية الراكدة في تلك الفترة. قالت زها عن تلك التجربة: “كان الوضع يعاكس التصميم المعماري تماماً. كانت الحركات المعمارية تنادي ضد العمارة. لا توجد جدوى من التركيز على المصممين السابقين، لنجد لأنفسنا حياة أخرى.” لقد لاحظ أستاذاها ريم كولهاس Rem Koolhaas و إليا زنغيليس Elia Zenghelis موهبتها حينما صرح إليا: “لاحظت منذ الوهلة الأولى عند تعرفي على زها أنها ستكون إسما عظيما في تاريخ العمارة.”  كانت تصاميمها مستوحاة من الحركة الفنية سوبرتيمزم Supertamism وخاصة من لوحات الفنان الروسي كازيمير ماليفتش Kazimir Malevich. وقد كان هذا التأثير واضحا في مشروع تخرجها سنة 1977، حيث استعملت تقنيات التجريد و التجزئة المستنبطة من مجسمات هذا الفنان. فكرة المشروع اعتمدت على تفكيك الكتلة لأجزائها الهندسية الأساسية ومن ثم إعادة ترتيبها و تركيبها لكتلة معمارية جديدة. هذا المشروع كان خطوتها الأولى نحو النجاح، فقد عينت بعد تخرجها كمحاضر مساعد في الجمعية المعمارية وأصبحت شريكة لأساتذتها في مكتبهم الخاص. لكنها سنة 1979 قررت إنشاء مكتبها الجديد والعمل على تطوير منهجية التصميم الخاصة بها.

Photo via A/N Blog.

اليوم الثالث # القمة 

لقد عملت زها حديد بجهد متواصل طيلة فترة الثمانينات حيث كانت تلقي المحاضرات صباحا وتعمل على مشاريعها مساءاَ. في عام 1982، شاركت في مسابقة عالمية في هونغ كونغ بعنوان “القمة Peak “، و كان الهدف من المسابقة تصميم ملهى ليلي. كان من غير المتوقع فوزها في هذه المسابقة وهذا الفوز كان نقطة تحول هامة في حياتها. طريقة عرضها للمشروع كانت السبب الرئيسي في فوزها حيث جذبت رسوماتها السوبرتامزمية الغير مألوفة انتباه لجنة التحكيم. أستاذها إليا هلل بقوله: ” القمة كانت القمة وماتزال القمة.” رغم أن التصميم لم ينفذ إلا أنه كان تحفة معمارية ومحط أنظار العديد من مدارس العمارة البريطانية في ذلك الوقت. أصبح إبداعها إلهاما للطلاب حيث كانوا يتهافتون على مكتبها طلبا لفرصة تدريب لديها. و كان باتريك سكوماتشر Patrick Schumacher أحد هؤلاء الطلاب والذي أصبح فيما بعد شريكا لها عام 2002.

مسابقة القمة شجعت زها على المضي قدما وتحدي حدود قدراتها حيث شاركت بعدها في العديد من المسابقات المعمارية. كانت تؤمن بأن الطريق الوحيد للتعبير عن نفسها و نشر منهجها التصميمي هو المشاركة في المسابقات العالمية. كانت فترة الثمانينات فترة إثبات لذاتها، عانت فيها كثيرا ومرت بفترات صعبة من الانتقاد وخاصة حول غموض تصاميمها، حتى أطلقوا عليها لقب “معمارية الورق Paper Architect. كما أنها صنفت ضمن معماري الحركة “التفكيكية Deconstructivism عندما عرضت لوحات مشروع القمة في متحف الفن الحديث في نيويورك. ولكنها اعترضت بقولها “التفكيكية كلمة أبتدعت من قبل أحدهم في مكان ما.”

Painting – Courtesy of Zaha Hadid Architects.

اليوم الرابع # الرفض

بعد عشرة أعوام من العمل المضني والتعب والسهر، فازت زها حديد سنة 1990 في مسابقة تصميم لمحطة إطفاء الحريق فيترا Vitra في ألمانيا. كان تصميمها للمحطة عبارة عن كتلة مصمتة من الخرسانة. كان تتميز الكتلة بزوايا حادة كما لو أن أحدا قام بسحبها بقوة من أحد حوافها، مما سميت ب”الحركة الجامدة.” المصورة هيلين بينت Helene Binet التي كلفت بتصوير المبنى عبرت عن رأيها بالتصميم بقولها: “… كما نعلم بأن الخرسانة مادة ثقيلة، لكنها هنا تظهرخفيفة وحرة بشكل مذهل. لقد خلقت زها صرحا معماريا لا يصدق وجعلت من الخرسانة شيئا آخر بعد هذا التصميم.”

Vitra Fire Station – Courtesy of Zaha Hadid Architects.

Vitra Fire Station – Courtesy of Zaha Hadid Architects.

بعد أربع سنوات، فازت زها مرة أخرى بتصميم دار الأوبرا كارديف باي Cardiff Bay، وأثارهذا الفوز جدلا كبيرا وواجهت زها انتقادات لاذعة حول تصميمها بحجة أنه غير قابل للتنفيذ! علقت زها في مقابلة تلفيزيونية: “لقد عاملونا بشكل سئ للغاية. إنهم لا يريدوننا… ولا أعلم في الحقيقة ماذا يريدون… العديد يعتقد أن رسوماتنا معقدة وصعبة الفهم. لكننا نقوم برسم كل أنواع اللوحات. القطاعات الخاصة بالساحة العامة للأوبرا لم تكن عادية كقطاعات أي مبنى. لإنه ليس مبنى مربع أو مستطيل. إن هذا المشروع كان من السهل تنفيذه ببساطة.”

Courtesy of Zaha Hadid Architects.

Cardiff Bay Opera House

هذا الرفض سبب لها حزنا واكتئابا عميقا، مما جعلها تقرر ترك عملها. ولكن شريكها باتريك وقف بجانبها وحفزها على العودة للعمل. اعتبرت زها قضية كارديف لعنة قادت مكتبها لركود كبير خلال التسعينيات، مما تتطلب منها بذل جهد أكبر للنهوض من جديد.

Courtesy of ThinkSpace.org. Courtesy of Zaha Hadid Architects. Courtesy of Zaha Hadid Architects. Courtesy of Zaha Hadid Architects. Courtesy of ThinkSpace.org.

اليوم الخامس # التألق

كانت بداية الألفية الثانية محطة التألق لزها حيث حملت معها نجاحات متكررة ومشاريع ناجحة. ومن أهم هذه النجاحات حصولها على جائزة بريتزكر Pritzker Award العالمية سنة 2004. هذه الجائزة كانت اعترافا من العالم المعماري بتفوقها وامتيازها. زها اعتبرت أول مهندسة معمارية تحصل على هذه الجائزة وبذلك دخل اسمها التاريخ من أوسع أبوابه وأصبحت أيقونة تشع في سماء العمارة.

Courtesy of The Hyatt Foundation.Courtesy of The Hyatt Foundation.

اليوم السادس # الفراق

 عن عمر يناهز 65 عاماً فارقت زها حديد الحياة بشكل فاجأ العالم بأسره إثر نوبة قلبية صبيحة يوم الخميس 31 من مارس 2016 في مستشفى ميامي بولاية فلوريدا الأمريكية. يذكرأنها أدخلت للمستشفى قبل أسبوع من وفاتها نتيجة إصابتها بإلتهاب في الشعب الهوائية. أقيمت شعائر جنازتها بعد أسبوع من وفاتها في الجامع الكبير بلندن حيث اجتمع مالا يقل عن ألف شخص من أصدقائها وزملائها من جميع الجنسيات والديانات. نقل بعد ذلك جثمانها إلى مقبرة بروكوود Brookwook بمقاطعة سري Surrey جنوب شرق إنجلترا حيث دفنت بجانب والدها وأخيها “فولاذ حديد”.

Courtesy of Whispyblink.
Courtesy of Alashhar.

الكاتبة: سارة علي بن الأشهر

مهندسة معمارية و مصممة غرافيك

ماجستير في العمارة الرقمية – جامعة نبراسكا

بكالوريوس هندسة معمارية و تخطيط عمراني – جامعة طرابلس

sara@alashhar.com

 

Views All Time
Views All Time
Views Today
Views Today

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *