ماذا تعرف عن التصميم البارامتري في العمارة؟

هل تساءلت يوماً من الأيام و أن تشاهد مبنىً للمعمارية زها حديد  Zaha Hadid أو للمصمم فرانك غيري Frank Gehry عن كيفية تشكيل كتلته المعمارية بهذه الدقة و بهذا التعقيد؟ أنا على يقين أنك سألت نفسك هذه الأسئلة “كيف فعلوا ذلك؟ و ماهي البرامج التي استعملوها لكي يتمكنوا من تصميم هذا الشكل المعقد المستحيل بالنسبة لي؟ و متى يمكنني أن أكون مثلهم؟” دعني أخبرك أنك لست الوحيد من يتساءل ويتعجب فأنا كنت مثلك قبل خمس سنوات مضت حائرة و راغبة في معرفة سر كل هذا الإبداع.

إن السر وراء هذه التصاميم هو ما يسمى بالتصميم البارامتري Parametric Design. تعرفت على هذا التصميم حينما تعلمت هذه البرامج: رينوسورز Rhinoceros و أوتوديسك ريفت Autodesk Revit والغراسهبر  Grasshopper، وانبهرت بقدرتها على تكوين أية كتلة معمارية مهما بلغت درجة تعقيدها وصعوبة تجسيمها. حينها زال عجبي وتوقفت تساؤلاتي.

.الصورة 2 : نموذج ثلاثي الأبعاد لبرج ملتوي مبرمج بواسطة برنامج الغراسهوبر
Courtesy of Tsung- Hsien Wang.

هذه البرامج ظهرت مع أواخر التسعينيات وهي التي دعمت هذا النوع من التصميم وعززت قدرة المعماري التصميمة والإبداعية لدرجة أنها الآن أصبحت أدواتاً مطلوبةً في المكاتب العالمية ومقرراً إلزامياً في الجامعات الدولية. لذا دعونا نتعرف أكثرعن ماهية التصميم البارامتري وما معنى التصميم البارامتري؟

إن التصميم البارامتري Parametric Design يأتي من كلمة بارامتر  Parameter والتي تعني رياضياتياً العنصر القياسي أو العدد المتغير ضمن معادلة رياضياتية.[1] إن تغيير قيمة هذا العنصر تؤثر على المعادلة الرياضياتية وتعطي نتائج مختلفة. ولكي أبسط لك عزيزي القارئ الموضوع دعنا نلجأ إلى أبسط مثال وهو حجم متوازي المستطيلات.

حيث كما نعلم أن حجم متوازي المستطيلات = الطول X  العرض X الإرتفاع.

Volume of Rectangular Prism = L X W X H  

يعتبر كل من الطول و العرض و الإرتفاع في هذه المعادلة عنصراً قياسياً وبالأحرى بارامترياً لأن أي تغييرفي قيمة أحد هذه العناصر سيغير من حجم المتوازي ويغير من شكله كما في الصورة (3).

الصورة 3 : ثلاثة أشكال من متوازي المستطيلات مختلفة الحجم نتيجة إختلاف أبعادها
Courtesy of Sara Ben Lashihar.

هذا من الناحية الرياضياتية أما من الناحية المعمارية فلنأخذ العمود كمثال لشرح التصميم البارامتري في الهندسة المعمارية. فالعمود كما نعلم له ثلاثة أقسام رئيسية وهي القاعدة والجذع والتاج. و كل قسم من هذه الأقسام له عناصر تفصيلية تعطي هيئة العمود وتحدد طرازه. وبالتالي فإن أبعاد هذه العناصر التفصيلية تعتبر متغيرات Parameters وتؤثر تأثيراً جذرياً على شكل العمود، وأي تغيير عددي في قيمتها سيغير طراز العمود كلياً كما هو موضح في الصورة (4) والتي استخدم فيها برنامج ريفت المعماري 2015.

الصورة 4 : نموذج لعمود تغير شكله و طرازه بتغير قيمة المتغيرات المكونة له كإرتفاع القاعدة أو التاج أو قطر الجذع.
Courtesy of Sara Ben Lashihar.

إن التصميم البارامتري ليس اختراعاً جديداً فهو متأصل من علم الرياضيات وقد استخدم قديماً في المعمار وخير دليل على ذلك تصميم الإهرامات في مصر. الإهرامات كما هو معروف هي عبارة عن ثلاثة أشكال هرمية متفاوتة في الحجم، وتصميمها تتطلب دراسات لوغارثمية ومعادلات رياضية وخاصة في حساب عدد الأحجار المكونة لكل سطح من أسطح الهرم الواحد. وهي حسابات معقدة أخذت من المصممين المصريين عدداً من السنيين لإكمالها. فلو كان المصريون القدماء  يمتكلون البرامج البارامترية الحالية لكانوا أتموا هذه الحسابات في ساعات.

الصورة 5 : أهرامات الجيزة في مصر بنيت 25 قرناً قبل الميلاد.

إن هذه البرامج قد وفرت على المعماريين والمصممين عمليات حسابية ضخمة كانت في السابق تستغرقهم شهوراً وسنيناً. حيث كلما زادت درجة تعقيد الكتلة المعمارية كلما زادت الحسابات تعقيداً وتشابكاً وزادت صعوبة تنفيذها على أرض الواقع من قبل الإنشائيين والمقاولين. هذه الصعوبات حدت من الإبداع في التصميم وجعلت الكتل المعمارية بسيطة وسهلة التنفيذ ونمطية وهذا ما نلاحظه حالياً في الطراز المعماري الحالي في ليبيا. حيث أن غياب هذه البرامج في المكاتب الهندسية والمناهج التعليمية جعل من التصميمات المحلية بسيطة ونمطية خوفاً من صعوبة التنفيذ في حالة كانت الكتلة معقدة. يقول المعماري فرانك غيري “إن برنامج كاتيا CATIA سهل عليَ التفاهم مع الحرفيين”. هذا التصريح كان نتيجة امتنانه لهذا البرنامج في جعل تصميمه لقبة السمكة في مشروع القرية الأولمبية في برشلونة واقعاً ملموساً. ويضيف ” في السابق كانت هنالك حواجز فكرية بيني وبين المقاولين وحرفيي البناء، مما جعلني أشعر أني أتكلم لغة غريبة عنهم. ولكن الآن و بشكل مفاجئ أصبح الحرفي يفهمني… إن الرسومات المعمارية الموضحة للأسطح المنحنية… جميلة و لكنها مضللة، و لكن مع كاتيا CATIA أمكنني بناؤها.”[2] و كما هو معروف فإن برنامج كاتيا كان يختص بتصميم المركبات الفضائية وتبناه غيري لكي يستطيع تجسيم أفكاره المعقدة وتحليلها للمقاولين. و لكن غيري بعد ذلك طورهذا البرنامج ليجعل منه أحد البرامج البارامترية المعروفة حالياً ببرامج BIM وهو Digital Project.

الصورة 6 : قبة السمكة في مشروع القرية الأولمبية في برشلونة
Courtesy of Sergi Larripa.

إن مخيلة المعماري التصميمية غير محدودة والتصميم البارامتري عزز هذه المخيلة وأعطاها فرصة نحو الإنطلاق اللامحدود وأعطاها حرية واسعة في تحويل أية فكرة فضائية كما يسميها البعض إلى مبنىً ملموس. التكنولوجيا لها تأثير كبير على العمارة مؤخراً ويجب علينا كمعماريين ليبيين أن نقتنع بأهمية التصميم البارامتري وبأنه المحرك الأساسي للنهضة المعمارية في وقتنا الحالي. ليس أن نقتنع فقط بل يجب علينا مواكبة هذا التطور بتطوير أنفسنا أولاً وذلك بتعلم البرامج المختصة بالتصميم المتغاير (البارامتري) كبرامج BIM و لغات البرمجة Scripting  وبرامج التحليل البيئي Environment Analysis وغيرها. إن مواكبتنا للتكنولوجيا المعمارية سيمكننا من إدراك ما يحصل حولنا من تطور في مجال الإنشاء و التصميم ويجعلنا مثقفين معمارياً بحيث لن نعجز يوماً ما عن فهم مبنىً صمم بارامترياً ولا أن نسأل أنفسنا مرة أخرى “كيف صمم هذا؟”

                                                                       الكاتبة:  سارة علي بن الأشهر

مهندسة معمارية و مصممة غرافيك

ماجستير في العمارة الرقمية – جامعة نبراسكا

بكالوريوس هندسة معمارية و تخطيط عمراني – جامعة طرابلس

sara@alashhar.com

المراجع

[1] “Sunrise Tower in Kuala Lumpur/ Zaha Hadid.” eVolo Electronic Magazine, (September 2010). http://www.evolo.us/architecture/sunrise-tower-in-kuala-lumpur-zaha-hadid/

[2] Wang, Tsung- Hsien. “Parametric Modeling.” School of Architecture, University of Sheffield. (November, 2012).

[3] Oxford Dictionaries, Oxford University Press, (2015). http://www.oxforddictionaries.com/definition/english/parameter

[4] Autodesk Revit Architecture 2015 هذه الرسومات تم تصميمها بواسطة الكاتبة بواسطة برنامج .

[5] 7Themes.com. http://7-themes.com/6925611-giza-necropolis-egypt.html

[6] “Dassault Systems and IBM Sponsor Frank Gehry, Architect at the Solomon R. Guggenheim Museum in New York City,” IBM New Releases, (May 2001). http://www-03.ibm.com/press/us/en/pressrelease/1259.wss#contact

[7] Larripa, Sergi. “Olympic Village, in Barcelona.”  Wikimedia, ( May 2005),  http://commons.wikimedia.org/wiki/File:050529_Barcelona_051.jpg

Views All Time
Views All Time
Views Today
Views Today

3 Comments on “ماذا تعرف عن التصميم البارامتري في العمارة؟

  1. ماتفضلتي به جميل وأثني علي مجهوداتك الرائعة .
    أحببت أن أنوه إلي أن التصميم البارامتري أو هذه الأشكال المعقدة للمباني أمثال تصاميم جيري أو زها لا تعني بالضرورة أنه علينا مواكبة هذه المدرسة فكما تعلمين العمارة مدارس ولكل معماري ميول معين وفلسفة يتبعها كما أن العديد من المعماريين الكبار ينتقد بشدة هذه المبالغة في التعقيد لما لها من عيوب كالمساحات الضائعة والتكلفة العالية وصعوبة التنفيذ ولكن تبقي مدرسة لها الأحترام وفلسفة تدرس في الجامعات .
    هذا عموما أما عن ليبيا فالوضع مختلف وله أبعاد كثيرة فتخلفنا عن مواكبة العالم لعقود طويلة يجعل من اللحاق بركب العلم والتطور أمرا أكثر صعوبة يوما بعد يوم وسنة بعد سنة .
    ما أرمي إليه هو أني أري مايجب التركيز عليه حاليا هي قضايا جوهرية عميقة يفتقدها طالب العمارة وتكاد أساسيات المهنة تغيب عن كثير من الخريجين ليس في العمارة فقط بل كل التخصصات .
    فالحديث حاليا عن أشكال بارامترية يبقي مجرد حلم يدغدغ أفكار المعماري الليبي في ضل وجود تقصير في أساسيات المهنة وأسلوب التدريس والتعامل مع الكمبيوتر وغياب التخطيط ناهيك عن وضع البلاد غير المستقر كل هذه القضايا تخلق تحدي أراه شخصيا يجعل من الأبداع أمر مستحيل .
    وأكرر مرة أخري ثنائي لمجهوداتك الرائعة فلابأس من طرح المعلومة ليستفيد منها الكل إنما حزني علي مدي بعدنا عن التكنولوجيا والتطور والمواكبة يدفعني للرد والمشاركة .
    من أحد مشاركاتي في دعوة كانت لصالون معماري في ذكري اليوم العالمي للمعماري 2016 قمت بطرح فكرة لنشر مطويات للتعريف بالمعماري ودوره ومدي أهمية التقيد بالخريطة التي يصممها المهندس للزبون ولماذا أذهب لمكتب هندسي بدلا من أخذ خريطة جاهزة عبارة عن ورقة واحدة بها مسقط …كانت هذه اتجاهاتي في حل المشاكل فنحن نعاني من قصور في أساسيات جوهرية للأسف.
    شكرا لوقتك …م.عزالدين بن رمضان

    1. شكرا أستاذي الفاضل على مرورك… و تفضلك بقراءة مقالتي… احترم وجهة نظرك… إن كنابتي لهذا المقال هورغبتي في التعريف بعلم و تخصص موجود في كل أنحاء العالم و يدرس في كل مدارس العمارة… إلا نحن… إن تخلفنا في هذا المجال ليس نتيجة ظروفنا… بل نتيجة منع هذه التخصصات من التدريس في كليات العمارة بحجة أنه ليس الوقت المناسب… فمتى سيكون الوقت المناسب؟ إني أرى أننا سنبقى دائما كما نحن مادمنا نرجئ التطوير و التحديث… و هذا ما سيجعل بلادنا في ظلام مستديم…
      هذا لا يعني أن نبنى مبان مثل زها حديد و فرانك غيري و لكن يمكن الاستفادة من هكذا تخصص في تطوير عمارتنا المحلية مع المحافظة على موروثنا الثقافي..
      أتمنى أن تتفضل بمشاهدة محاضرتي حول إمكانية استخدام تكنولوجيا بيم في تطوير العمارة المحلية الليبية…

      https://youtu.be/o-3dZ5ua9Nc

      شكرا أستاذي مع تحياتي

      1. الشكر موصول ليك أيضا …أنا كنت أريد التنويه فقط إلي وجود أولوية لمشاكلنا في مجال العمارة وتدريسها ولا شك أن ما تفضلتي به مهم لنا جميعا كطلبة وخريجين وحتي أصحاب خبرة لكنه في هذا الوقت وسط كومة هائلة جدا ومعقدة من المشاكل يكاد الحديث عن التصميم البارامتري لا يري بالمجهر…حقيقتا نحن نحتاج لصبر كبير بحجم مانمر به من مصاعب وعقبات وتحديات ونحتاج للحديث معا والوقوف مع صالحنا وحلحلت المشاكل والبدأ بالمشاكل الصغيرة التي حلها بين أيدينا ولا تحتاج دعم حكومات ولا أموال ثم حلحلة المواضيع المتوسطة الصعوبة وهكذا ولكن هيهات …
        الأخت بن الأشهر شكرا لكي وأتمني أن تستمري في مقالاتك المتحفة وأتمني أيضا أن أكون قد أنرت بصيرتك علي مواضيع أكثر عمقا لمشاكلنا ومن نوع وفي اتجاه آخر. أتمني لكي التوفيق .
        م.عزالدين بن رمضان

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *